Business

جريدة الجريدة الكويتية | إخفاقات الكويت المتتالية لا تليق بدولة!



• أزمة «فحص العمالة» تكشف عدم استيعابنا دروس «كورونا»
• «قرار الستين» و«الصفوف الأمامية» و«منحة المتقاعدين» دلائل على ارتباك المؤسسات

ألقت أزمة ازدحام مراكز فحص العمالة الوافدة التي شهدتها وزارة الصحة الأسبوع الماضي الضوء على نوعية جديدة من الأزمات الصغيرة حجماً والكبيرة دلالة، وسط تلك التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.

فلم تكن مسألة ازدحام مراكز الفحص بآلاف المراجعين تحت اشعة الشمس ساعات طويلة مشكلة تنظيمية تتطلب فقط افتتاح مراكز اضافية او زيادة ساعات الفحص بقدر ما عبرت عن ازمة في استيعاب دروس تنظيم المواعيد التي يفترض ان تكون جائحة كورونا قد اعطت مختلف الجهات في الدولة تجربة ومهنية في تنظيمها عبر مواعيد إلكترونية لتجنب الزحام والتأخير والمعاملة السيئة، لا سيما مع إلغاء قيود «كورونا» على إجراءات السفر والعودة إلى الكويت.

ورغم أن أزمة ازدحام مراكز العمالة مهما طالت او تعقدت فإنها ستنتهى مع استيعاب اعداد العمالة الوافدة بغض النظر عن جودة التنظيم، فإنها تعبر عن واحدة من الأزمات التي لا تليق بدولة مثل الكويت تمتلك مقومات مالية عالية ومنشآت جديدة مجهزة بأحدث النظم التكنولوجية الى جانب مؤسسات فنية وقانونية يفترض الا ينحصر دورها في تذليل الصعوبات بل يمتد إلى جودة الخدمة، وهو ما لم يتحقق لا بالتذليل ولا الجودة.

أزمات ودلائل

فالماضي القريب يخبرنا عن مجموعة من الأزمات معظمها صغير الحجم لكن دلالاتها كبيرة كتعقد اوضاع سوق العمالة المنزلية بعد دخول الدولة فيه منافسة بدلاً من تنظيمه، ومثل فقدانها لشهور متتالية بيانات اقتصادية حساسة كأسعار المستهلكين (التضخم) نتيجة عدم توفر الراصدين فكانت معظم دول العالم تتخذ اجراءاتها للحد من التضخم بينما تفتقد الكويت البيانات التي تمكنها من اتخاذ اي قرار… ومثل خلق ازمة من العدم فيما يعرف بـ«قرار الستين « والذي غابت عنه الحكمة سواء في اصداره او عند الغائه، وبالنهاية دون ربطه بإصلاح التركيبة السكانية، إلى جانب ما تعرضت له «مكافأة الصفوف الأمامية» من تأخير وفوضى في التعريف قبل التوسع في صرفها دون اعلان معايير الاستحقاق، بل ان ما يعرف بمنحة المتقاعدين – بغض النظر عن الرأي فيها -تعرضت لتعثر غريب في جلسة برلمانية عقدت اصلا بغرض اقرارها… وهذه كلها دلائل على ارتباك – لم يكن يحدث بهذا الوضوح خلال السنوات السابقة – في مؤسسات الدولة.

نتائج سيئة

وهذه الأزمات الصغيرة قد تفضي الى نتائج سيئة للغاية , وليس ثمة أسوأ من ان يفضي نقص عمالة التنظيف في وزارة التربية الى اخفاق في عودة نظام التعليم الى سابق عهده على الأقل قبل الجائحة، او ان تعرقل مشكلات ادارية ومراسلات متوقفة بين القطاعات الحكومية عمل صندوق المشروعات الصغيرة والمتوسطة الذي تبلغ قيمته المالية ملياري دينار وقيمته الاقتصادية اعلى من ذلك بكثير، او ان تكتشف الدولة ان شركة المشروعات السياحية التي تتمتع بعقود انتفاع ضخمة مع املاك الدولة غير قادرة على تقديم اي نشاط ترفيهي خلال العطل الطويلة، وكأن الدولة قد بلغت مرحلة من الشيخوخة بحيث لا يؤثر فيها اي نوع من الإخفاق والفشل.

عادة وسلوك

وربما يكون أسوأ انواع الإخفاق هو ما تعتاده المؤسسات ويصبح جزءا من سلوكها , كأن يتعهد رئيس الوزراء العام الماضي بأن يكون تطبيق «سهل» الالكتروني خطوة لا تراجع عنها تلغي المعاملات الورقية، وهو ما لم يحدث في اي من الوزارات والهيئات العامة او ان يطلب مجلس الوزراء من احدى جهاته، وهي الأمانة العامة للتخطيط والتنمية، اعداد مؤشر اقتصادي يقيس مواطن الخلل في الاقتصاد المحلي دون ان تبادر هذه الجهة إلى التخطيط في الإعلان عن اي خطوة تنفيذية للتوجيهات الحكومية او ان تقدم الحكومة برنامج عمل ملتبساً الى مجلس الأمة تعرض فيه خططها بشأن الضريبة وإعادة هيكلة الرواتب والدعوم بصيغ كلها تورية… مما يطرح سؤالاً حول جدية الحكومة في تنفيذ برنامج لا تستطيع بالأصل الإعلان عن بنوده صراحة!

بل ان الكويت مع تراجع اسعار النفط عالميا خلال جائحة كورونا اعطت اعلى درجات الاهتمام الاقتصادي لتوفير الرواتب شهراً بشهر، وهو من زاويةٍ ما تحويل امر بديهي الى اولوية، ومن زاوية اخرى يبين مدى خطورة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية التي يمكن ان تتعرض لها الكويت مع اي هزة لأسعار او امدادات النفط في العالم، وبكل الأحوال لم تتم الاستفادة من هذه التجربة رغم خطورتها اقتصاديا واجتماعيا.

حاجة للنفضة

والحديث عن الإخفاقات الصغيرة المتكررة والمتزايدة خلال السنوات الماضية ليس جلدا للذات او تشاؤما من واقع معين بقدر ما هو عرض لتدهور اوضاع خدمية وإدارية في البلاد لم تتوقف فيها التحديات عند تلك الهيكلية المعروفة منذ عقود كالاعتماد على مصدر ناضب او اختلالات سوق العمل والتركيبة السكانية، ناهيك عن محدودية حجم القطاع الخاص في الاقتصاد، بل امتدت تباعا الى تدهور خدمات كانت سهلة نسبيا خلال فترات سابقة كسهولة توفر السكن والتعليم وجودة الطرق، وصولا الى ازمات صغيرة لا يليق بالكويت ان تقع فيها كطوابير العمالة او التعثر في اعادة التعليم على الأقل كما كان قبل الجائحة او البحث عن سداد الرواتب شهرا بشهر… وهو ما يؤكد ان الكويت باتت اليوم احوج ما تكون الى «نفضة» شاملة في جهازها الحكومي تتخلى فيه عن كل قواعد المحاصصة والولاءات الفرعية الى معايير الكفاءة والإنجاز وإلا فسنواجه المزيد من الإخفاقات غير المتوقعة.

محمد البغلي



Source link

Leave a Reply

Your email address will not be published.